أزمة اليونان المالية وخرافة الذعر

أزمة اليونان المالية وخرافة الذعر

 

بمجرد الإعلان عن إغلاق البنوك اليونانية غداة تصويت البنك المركزي الأوربي على قرار إنهاء المساعدات المالية التي مكّنت البنوك اليونانية من الاستمرار في العمل على الرغم من إقبال الناس على سحب أموالهم من تلك البنوك طوال الأشهر السابقة.تم وصف سلوك الجماهير وسحبهم للأموال بأنه “هروب المدخرات” (Bank Run) وفي مواضع أخرى وصف بأنه “ذعر جماعي”. بناء على أبحاثنا والأدبيات العلمية الأوسع حول ما يوصف بـ”الذعر” في ما يتعلق بالحشود, يمكن استخلاص ثلاث نقاط جوهرية في ما يخص الأزمة اليونانية الحالية:

١- من المضلل وصف سلوك الناس في سحبهم لأموالهم من البنوك بأنه “ذعرجماعي”. في العرف العام يتم استخدام مصطلح ذعر لوصف أشياء وأغراض متعددة (مثل اللوم أو إيجاد العذر), ولكنه يرتبط بالأذهان عادة بالتخلي عن قواعد السلوك العامة بسبب الاستعجال والاندفاع. مع ذلك نجد أن الحشود اليونانية انتظرت بصبر أمام مكائن الصرف –كما الحشود التي درسها علماء الاجتماع في حالات هروب المدخرات– وكانوا متعاونين ومنظمين. هنالك إرتباط آخر شائع مع مفهوم الذعر وهو حالة مفاجئة ومتطرفة من الانفعال. ولكن -كما هو الحال عادة في هروب المدخرات- كان الناس في حالة من الهدوء النسبي, مما يشير إلى أن الانفعال ليس عاملا أساسيا في في حالات هروب المدخرات.

٢- المشاركة في هروب المدخرات -خاصة عندما تبدأ- يكون عادة سلوك منطقي لحماية مصلحة الفرد. أحد المضامين الأخرى المرتبطة بمفهوم الذعر هو السلوك اللاعقلاني والضار. في دراسة حالة (the Home State Savings Bank Run) من ولاية سنسناتي بالولايات المتحدة الأمريكية عام ١٩٨٥يشير الباحث إلى أن المخاطرة تكمن فقط في كون الفرد يأتي في ذيل طابور سحب الأموال وبالتالي تنفذ الأموال قبل دوره. بالطبع ,جميع السحوبات الفردية قد تؤدي إلى إنهيار البنك وبالتالي إلحاق الضرر بالمصلحة العامة (التي تشمل حتى من لم يسحبوا مدخراتهم). مع ذلك التطمينات للعملاء بالصبر والثقة بالبنك تكتسب مفعولا في حالة واحدة فقط, هي أن يدرك العميل أن الآخرين (ومن ضمنهم البنوك الأخرى والتجار) سوف يلتزمون أيضا بالصبر والثقة بالبنك.

٣- التطمينات ومحاولات التواصل مع الجمهور قد يكون لها أثر عكسي يسبب خلق هروب المدخرات أو يساهم في استمراره. في دراسة أجريت على حادثة ( Northern Rock bank run) التي حصلت عام ٢٠٠٧, وجد الباحثون أنه عندما تلقى البنك قرضا طارئا من Bank of England تم تفسير ذلك على نطاق واسع بأنه إشارة لانهيار وشيك للبنك. أذاعت البي بي سي تطمينات من عضو بهيئة الخزينة لعملاء البنك بأن لا يشعروا بالذعر, ولكن في بيئة تتلاشى فيها الثقة فإن مثل هذه التطمينات تأتي بنتيجة عكسية, وهو ما حدث تماما في حالة هذا البنك.

كنقطة أخيرة, هنالك سبب لوصف هروب المدخرات بأنه ذعر, هو أن قرارالسحب في هذه الحالة يكون مبنيا على اعتقاد خاطيء أو إشاعة. المراقب الخارجي والذي تتوفر لديه جميع المعلومات ذات العلاقة فإنه يستطيع الحكم على عدم صحة الإشاعة, على سبيل المثال كون البنك ليس في وضع سيئ (حتى الآن) وأنه لا حاجة لسحب المدخرات (حاليا). المشكلة هي في كون الأوضاع الحالية  تكرر فيها كذب المصرفيون وحلفائهم في الحكومة وقاموا أثنائها بإجراءات تضمن مصالحهم الخاصة بناء على بيانات وتقارير مالية مزورة. وفق هذه الأوضاع, من يستطيع نفي صحة تلك الشائعات حول كون إنعدام الثقة بالبنك ليس له أساس من الصحة؟ من يجب على الناس تصديقه؟  

 

المصدر

http://drury-sussex-the-crowd.blogspot.co.uk/2015/06/the-psychology-of-bank-runs.html

 

د. جون دروري

باحث في علم النفس الاجتماعي متخصص في دراسة الحشود بجامعة ساسكس, المملكة المتحدة.

  .Special thanks to Khalifah Alfadhli for translating this post

Facebooktwittergoogle_plusredditlinkedintumblrmailFacebooktwittergoogle_plusredditlinkedintumblrmail
Posted in Uncategorized

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*